وثيقة / التقرير الكامل حول التوجهات الدينية للجزائريين عبر الفيسبوك

تمهيد

على غرار بقية شعوب العالم، تحول الجزائريون خلال فترة قصيرة إلي مدمنين على شبكات التواصل الاجتماعي. فحسب أخر الإحصائيات التي نشرها نهاية شهر جانفي الماضي الموقع المتخصص في تحليل الشبكات الاجتماعية (www.wearesocial.com) يوجد مالا يقل عن 21 مليون حساب جزائري على شبكة التواصل الاجتماعي فايسبوك مقسمين كما يلي : 61 بالمائة ذكور و39 إناث. يضاف إليها الآلاف الصفحات الجزائرية على نفس الموقع.

التعلق الشديد للجزائريين بالفضاء الافتراضي ألأزرق يمكن تفسيره بالمزايا و الخدمات العديدة و المتنوعة التي يقدمها هذا الأخير لمشتركيه. فقد تحول فيسبوك في ظرف قصير، من شبكة بسيطة للتواصل الاجتماعي إلى قاعدة عالمية للمعلوماتية و الاقتصاد الرقمي. يمكن للمشتركين في هذا الموقع التواصل مع الغير و متابعة أخر ألأخبار. يمكنهم أيضا إجراء عمليات البيع و الشراء دون مغادرة الموقع. يمنح فيسبوك لمشتركيه كذلك فرصة متابعة مستجدات مشاهير العالم من رياضيين و فنانين و ممثلين و سياسيين و حتى رجال الدين.

في دراستنا هذه، تناولنا التوجهات والاهتمامات الدينية للجزائريين في هذا الفضاء الافتراضي الأكبر و ألأهم في العالم. فمنذ اليوم الأول، من بداية عملنا الذي قمنا به بالاعتماد على عدة مواقع متخصصة في تحليل الشبكات الاجتماعية، استنتجن ملاحظتين هامتين. فالأولى تتمثل في أن الجزائريين يلجؤون بكثرة للفيسبوك من أجل تعزيز معارفهم الدينية و متابعة الفتاوى و الدروس التي يقدمها الدعاة و الفقهاء بمختلف توجهاتهم على صفحاتهم على فيسبوك. أما الثانية فتتعلق بتفضيل الجزائريين بشكل كبير الصفحات الدينية الأجنبية على حساب الوطنية التي لا تجذب إلا القليل من المتابعين الجزائريين وغير الجزائريين. فالصفحات الدينية العشر ألأولى الأكثر متابعة من طرف الجزائريين على فيسبوك كلها أجنبية بالأخص مصرية وخليجية. حاولنا الوقوف على أسباب هذه الظاهرة وتحديد دواعي ضعف المحتوى الديني الجزائري رغم كثرة الطلب عليه كما تبينه المعطيات التي توصلنا إليها.

من المتفق عليه أن الدراسات و الأبحاث التي تعتمد على المعطيات التي توفرها شبكات التواصل الاجتماعي تتميز بالكثير من الدقة و الشمولية. و السبب يعود إلى الكم الهائل من المعلومات المتوفرة و القدرة على تحليلها في وقت قصير بفضل التكنولوجيا الرقمية المتوفرة و بالمجان.

فالدراسات التقليدية تعتمد على عينة محدودة من الأشخاص للوصول إلى نتائج يتم تعميمها. في الكثير من الأحيان تنتقد هذه النتائج بسبب محدودية الفئة الخاضعة للتحليل. في المقابل، تخضع الدراسات الحديثة للتحليل عينات تحتوى على عشرات الملايين من المعطيات للوصول إلى نتائج يمكن وصفها بالدقيقة. فدراستنا حللت سلوكات 21 مليون جزائري المسجلين على موقع فيسبوك مما يعزز مصداقيتها.

لماذا اخترنا موضوع الاهتمامات الدينية للجزائريين؟

اختيارنا لموضوع الاهتمامات الدينية للجزائريين على شبكة فيسبوك تم عن طريق الصدفة. عند إعدادنا للتصنيف الأول للصفحات الجزائرية ال 500 الأكثر متابعة لاحظنا غياب الصفحات الدينية. الشيء الذي دفعنا للبحث عن أسباب قلة

الصفحات الدينية الجزائرية وضعف تفاعل الجزائريين معها. بعد بحث استغرق عدة أسابيع، توصلنا إلى النتائج التالية:

الجزائريون ثاني متابع للشيوخ و الدعاة على فيسبوك

حسب المعطيات التي تحصلنا عليها نهاية شهر جانفي الماضي من موقع (www.socialbakers.com) يحتل الجزائريون المرتبة الثانية (من حيث العدد) بعد المصريين في متابعة الصفحات الفيسبوكية التي تقدم معلومات حول الدين الإسلامي. المثير للانتباه أيضا، أن الجزائريين يهتمون ببعض الدعاة الخليجيين أكثر من أبناء وطنهم. فمثلا الجزائريون أكثر متابعة لصفحة الداعية السعودي الشيخ محمد العريفي من السعوديين أبناء وطنه.

بالأرقام : الصفحة لها 757 .267 .2 معجب جزائري مقابل 425 .306 .1  سعودي.

نفس الملاحظة تنطبق على صفحة الداعية السعودي عائض بن عبدالله القرني:

بالأرقام : يتابعها 368 383  2 جزائري مقابل 425 306 1   معجب سعودي.

صفحة خطيب جامع القاضي بمدينة الرياض السعودية الشيخ راشد بن عثمان الزهراني معنية كذلك بالملاحظة، حيث بين لنا نفس الموقع أن 16,3 من المائة من متابعيها جزائريون مقابل 8,0 بالمائة سعوديون، رغم أن عدد العدد الحسابات السعودية على شبكة فيسبوك يقدر ب25 مليون حساب مقابل 21 مليون للجزائر. هذه المعطيات تظهر بوضوح التعلق الكبير للجزائريين بالخطاب الديني المتداول على شبكات التواصل الاجتماعي.

الفيسبوكيون الجزائريون ضمن أكبر مهتم بالمحتوى الإسلامي في العالم

بتحليلنا للمعطيات التي وفرتها المواقع المتخصصة في شبكات التواصل الاجتماعي استنتجنا أن الفيسبوكيون الجزائريون هم الأكثر اهتماما و متابعة للمحتوى الديني الإسلامي على شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك مقارنة بالشعوب الإسلامية ألأخرى. فمثلا 23,7 من المائة من الجزائريين المسجلين على شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك يتابعون صفحة الداعية المصري عمرو خالد مقابل 5 ,23 من المائة للمصريين. 13,1 من المائة من الحسابات الجزائرية على فيسبوك تتابع صفحة الداعية السعودي الشيخ محمد العريفي مقابل 15,7 من المائة للمصريين. بالنسبة للداعية السعودي عائض بن عبدالله القرني ، فالنتائج هي كما يلي : 11,3 من المائة من الفيسبوكيون الجزائريون مقابل 9,3 من المائة للمصريين. نفس المعطيات نجدها عند صفحة الشيخ يوسف القرضاوي التي يتابعها 529 007 جزائري من أصل 766 167 2  متابع أي ما يمثل 24,5% مقابل 630 685 بالنسبة للمصريين. صفحة نساء الجنة المصرية لم تصنع الاستثناء حيث أن 20 من المائة من الحسابات الجزائرية على فيسبوك معجبة بالصفحة مقابل 18,8 من المائة للمصريين.

الداعية المصري عمرو خالد الأكثر متابعة من طرف الجزائريين

23,7 بالمائة من الجزائريين المسجلين على شبكة التواصل الاجتماعي فايسبوك يتابعون بصفة دورية أو غير دورية صفحة الداعية المصري عمرو خالد. بهذا العدد يكون عمرو خالد أكبر شخصية تحوز على أكبر عدد من المتابعين الجزائريين على شبكة التواصل الاجتماعي رقم واحد في العالم. عكس الجزائر تحتل صفحة الداعية المرتبة الثانية في بلده مصر بعد صفحة غريمه مصطفى حسني التي تحوز على 32 مليون معجب، منهم 3.7 ملايين جزائري. تعلق الجزائريين بالداعية عمرو خالد أكده الموقع المتخصص في متابعة وتقييم شعبية مواقع الواب ( (www.similarweb.com. حسب هذا الأخير سجل موقع عمرو خالد على الانترنت 000 760 زيارة خلال شهر نوفمبر الماضي 000 140 منها قدمت من الجزائر ما يمثل 15 من المائة. من جانبه كشف الموقع الأمريكي((www.alexa.com المتخصص في تصنيف مواقع الواب أن الجزائريين يمثلون 12,6 من المائة من العدد ألأجمالي لزوار موقع عمرو خالد خلال شهر جانفي الماضي. بعد التدقيق في الصفحة الداعية تبنا لنا أن 5 إلى 7,5 من المائة من المعجبين بها تصلهم المنشورات بصفة عضوية أي دون اللجوء إلى الخدمات المدفوعة وهذا كل أسبوع، مما يعني أنه ما لا يقل عن 000 250 جزائري يطالعون منشورات الداعية. للتنبيه : هذه الملاحظة تخص فقط المنشورات المجانية.

صفحة المجلة المصرية المتخصصة في المجال الديني “نساء الجنة” هي ثاني أكبر صفحة دينية يتابعوها الجزائريون على شبكة فيسبوك. من أصل 24 مليون معجب بالصفحة 4.3 مليون منهم جزائريون، ما يمثل 18.1 بالمائة.

بينما عادت المرتبة الثالثة لصفحة الداعية المصري مصطفى حسني التي يتابعوها 32 مليون معجب، منهم 3.7 ملايين جزائري. المرتبة الرابعة كانت من نصيب الداعية السعودي محمد العريفي ب2.7 مليون معجب جزائري من أصل 24 مليون.

إليكم جدول الصفحات الدينية الأكثر متابعة من الجزائريين.

ملاحظة:

لم نتمكن من معرفة عدد الجزائريين المعجبين بصفحة الشيخ صالح بن عواد المغامسي التي يتابعها 6 ملايين شخص. المعني يشغل وظيفة إمام وخطيب في مسجد قباء، وأمين لجنة الأئمة بالمدينة النبوية بالسعودية.

الصفحات الجزائرية ضعيفة وقليلة الاحترافية

كما هو موضح جيدا في الجدول لا توجد ولا صفحة دينية جزائرية تمتلك مليون معجب جزائري أو أكثر. حيث نجد ثلاثة صفحات جزائرية تنشر محتوى ديني من أصل الصفحات الجزائرية 500 الأكثر متابعة على فايسبوك. ضعف يبين تبعية الجزائريين الشبه مطلقة للمحتوى الديني الأجنبي. إليكم الجدول

أسباب هذه التبعية المفرطة للمرجعيات الدينية الأجنبية

هذه المعطيات دفعتنا للبحث عن أسباب ضعف و قلة المحتوى الديني الجزائري على فيسبوك. بعد التدقيق في الصفحات الدينية الناجحة في مصر و السعودية و البيئة التي نشأت فيها توصلنا إلى التفسيرات التالية :

1-غياب الدعاة الجزائريين المعروفين في العالم الإسلامي

لا توجد في الجزائر، شخصية دينية كبيرة، مؤثرة و معروفة في العالم الإسلامي. فمنذ وفاة الشيخ البشير الإبراهيمي لم يعد لدى للبلاد مرجع ديني معروف ومعترف به في العالم الإسلامي. الغياب الذي خلق فراغ روحي ودفع بالجزائريين للبحث عن مرجعيات دينية خارج الحدود.

2-عدم وجود مدرسة قرآنية شهيرة

خلافا للمملكة العربية السعودية ومصر والكويت، لا تمتلك الجزائر مؤسسة دينية عريقة أو مدرسة مرجعية متخصصة في تكوين العلماء والدعاة والفقهاء. الكليات والمعاهد الإسلامية الموزعة عبر التراب الوطني تكتفي بتكوين أئمة المساجد و أساتذة العلوم الإسلامية لسد حاجيات المساجد و الثانوية والجامعات ومعاهد المتخصصة في العلوم الشرعية. افتقار الجزائر لمؤسسة دينية من حجم الجامع ألأزهر قلص من إمكانية بروز ونشأة دعاة و فقهاء كبار.

3-المراقبة الدقيقة لكل ما هو ديني

بمجرد وصوله للسلطة، قرر أول رئيس للجزائر المستقلة، السيد أحمد بن بلة حظر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي كانت تمثل في ذلك الوقت المرجعية الدينية للكثير من الجزائريين. قرار صاحبه فرض الإقامة الجبرية على رئيسها الشيخ البشير الإبراهيمي. منذ ذلك الحين استولت سلطة على المساجد والزوايا وحظرت إنشاء جمعيات دينية. واستمر هذا خلال سنوات حكم الرئيس هواري بومدين (1965-1978) المعروف بقناعته الاشتراكية المعادية للخطاب الديني و المدارس القرآنية. عداء تجلى في مصادرة ممتلكات الزوايا و المساجد و حتى رجال الدين وهذا تحت غطاء الثورة الزراعية. بهذا القرار قضت الدولة على المصادر التقليدية لتمويل المدارس الدينية و البعثات الطلابية إلى الخارج. هذه الإجراءات قلصت من فرص نبوغ شخصيات دينية جزائرية.

4-مخلفات العشرية السوداء

لم تكن للعشرية السوداء بدون عواقب على الحياة الدينية في الجزائر.فقد دفع الانتصار الساحق لجبهة الإسلامية للإنقاذ التي جعلت الخطاب الديني برنامجا انتخابيا، السلطة إلى وقف العملية الانتخابية ووضع الحياة الدينية تحت المجهر. سيطرة تمثلت في اختيار موضوعات خطب الجمعة من قبل وزارة الوصاية واشتراط ترخيص مسبق من وزارة الداخلية لعقد المؤتمرات و الندوات الدينية. يضاف لهذه القرارات تشديد الرقابة على الكتاب الديني. عوامل أثرت على إمكانية نبوغ الدعاة و الفقهاء.

5-عدم وجود قناة تلفزيونية متخصصة

أدى إغلاق المجال السياسي والإعلامي بعد وقف المسار الانتخابي في جانفي 1992 إلى تقييد مساحات التعبير على الأئمة الجزائريين في الوقت ذاته فتحت دول الخليج و مصر المجال للإنشاء قنوات تليفزيونية فضائية متخصصة في الحقل الديني. معظم الشخصيات الدينية العربية المؤئرة حاليا على شبكات التواصل الاجتماعي، صنعت الشهرة بفضل المجال السمعي البصري. هنا يمكن ذكر عمرو خالد، مصطفي حسني و يوسف القرضاوي.

6-تقاعس المؤسسات العامة المسؤولة عن الشؤون الدينية

إن الجمود وعدم اتخاذ المبادرات من قبل المؤسسات العامة المسؤولة عن الشؤون الدينية فتح المجال واسعا للهيئات و الشخصيات الدينية الأجنبية لجلب اهتمام الجزائريين المسجلين على شبكة فيسبوك. على سبيل المثال، المجلس الأعلى الإسلامي لا يملك صفحة على الفيسبوك أما وزارة الشؤون الدينية فصفحتها لا تضم سوى 4000 معجب، أي أقل من 1٪ من المعجبين الجزائريين بعمرو خالد. وينطبق الأمر نفسه على جامعات العلوم الإسلامية الأمير عبد القادر، التي تضم صفحة فيسبوك يتابعها 16 172 معجب.

7-التخلف التكنولوجي للمراجع الدينية الوطنية

عكس الصفحات الدينية الخليجية و المصرية، تفتقر الصفحات الجزائرية للاحترافية. فطريقة تسير هذه الصفحات لم يتغير من منذ سنوات. فمسيروها لم يواكبوا التطور الكبير الذي شهده موقع فيسبوك. فالتقنيات الحديثة للتوصيل الرسائل للمعجبين و ذلك بالاعتماد على الصوت و الصورة لم تعتمد بعد من طرف الصفحات الدينية الجزائرية. يضاف إلى هذا الغياب الشبه كلي للزوايا التي لم تنتبه بعد للأهمية الشبكات الاجتماعية في الدعاية و التعبئة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *